الإعجاز التشريعي في القرآن في مكافحة الجريمــة (2)
 
 

ثانيا : الأسلوب العلاجي

   و يأتي هذا الأسلوب بعد وقوع الجريمة، و هذا الأسلوب واضح المعالم في الشريعة الإسلامية، فلا غموض فيه و لا اختلاف بشأنه، والهدف منه منع تكرار الجريمة التي وقعت وإصلاح ما خلفته من أضرار، ويتضمن هذا الأسلوب العقاب وبدائله كالدية والصلح والعفو بالإضافة إلى الكفارة.

1 – العقـاب :لا خلاف بين المسلمين جميعا حول العقاب، لا في مشروعيته ولا في أنواعه، و هذا بخلاف الأمر اليوم في القوانين الحديثة، التي اختلفت في العقاب  اختلافا كبيرا بين داع إلى إلغائه حتى دعا بعضهم إلي تغيير تسمية قانون العقوبات، ومدافع عن بقائه، وهؤلاء المدافعين  اختلفوا في أنواع العقوبات وخاصة عقوبة الإعدام، كما اختلفوا حتى في العقوبات السالبة للحرية والبدائل المطروحة، أما العقاب في الإسلام فهو من المبادئ التي لا يمكن حتى مجرد التفكير في إلغائها، و يمتاز العقاب في الإسلام عنه في القوانين الوضعية الحديثة  بعدة مميزات، كل منها له دوره الفعال في مكافحة الجريمة، وهده المميزات هي :

  أ- أنه جمع بين العدل و الرحمة، و الجمع بينهما ليس من السهولة بمكان ، ففي الوقت الذي غلبت القوانين الحديثة منطق الرحمة اعتمادا على العبارة المشهورة _العدل فوق القانون و الرحمة فوق العدل – و أصبح اهتمامها منصبا على الجاني وحده فتتحدث عن سلوكه الإجرامي، و طبيعة فعله، فاعل أصلي أم شريك، و ظروفه و أعذاره دون أدنى اهتمام بالمجني عليه، في توجه واضح ضد العدل، و اعتماد مفضوح على الإحساس دون العقل، حتى قال جيرمي بنتام : و إنا لنعجب كل العجب من حال قوم سخفاء العقول يريدون أن يجعلوا من إحساسهم قانونا للناس، و يدعون أنهم من الخطأ معصومون لأن أصلهم الذي ركنوا إليه و سموه وجدانا ليس عقليا بل العقل يأباه كل الإباء (38). وبالتالي فإن العقاب المطبق لا ي! عود على المجني عليه أو وليه بأي فائدة و لا بأي إحساس، وهذا ناشئ عن إذابة  حق الفرد في حق الدولة و المجتمع، أما الإسلام فإنه أبقى على حق الفرد وكيانه مستقلا عن الدولة، و أخذ بالعدل و لكنه لم يهمل الرحمة، و العدل يقتضي أن من أجرم يعاقب، وفي هذا رحمة عامة بالمجتمع كله، كما أنه أبقى هامشا للرحمة الخاصة و لكنها في إطار العدل، وذلك حين خير  المجني عليه أو وليه بعقاب المجرم أو التصالح معه أو العفو عنه ورغب في العفو، قال تعالى : ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف و أداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم و رحمة )(39). والرحمة التي أقرها الإسلام موزعة بين الجاني والمجني عليه، فأين هذا من العفو الذي يصدره حكام اليوم على القتلة والمجرمين، وحتى لو حكم على القاتل بالإعدام فإن هذه العقوبة لا ! تكاد تطبق، و يذكر أستاذنا  الدكتور أبو المعاطي أن المحاكم في مصر أصدرت سنة –1971- عقوبة واحدة بالإعدام و كان عدد جنايات القتل في ذلك العام 1611 بين قتل و ضرب أدى إلى الموت، و في عام 1970 لم تصدر المحاكم عقوبات بالإعدام إطلاقا، و كان عدد جرائم القتل 1562 جريمة __(40)، وفي الجزائر أوقف تنفيذ حكم الإعدام منذ عام 1994، وهناك اليوم دول كثيرة ألغت حكم لإعدام فلا تحكم به إطلاقا مثل دول الاتحاد الأوربي،  وهذا يجعل المجني عليه أو وليه يشعر بالظلم من جهة، و يزيد المجرم عتوا و إجراما من جهة أخرى، و الإفراط في الرحمة بالجاني جعل الجرائم تكثر و تنتشر بشكل رهيب، فرغم الدراسات و المؤتمرات التي تعقد الآن من أجل  مكافحة الجريمة لم تستطع أن تسهم إلا  في زيادتها نظرا للاقتراحات التي تقدمها بشأن مراعاة الإنسانية عند التعامل مع المجرمين الخطرين.

  ب-   المساواة بين الناس في العقاب :لا تفرق العقوبات في الشريعة الإسلامية بين حاكم ومحكوم ،ولا بين شريف ووضيع، إذ أن كل الناس أمام العقاب سواء، لا فرق بين رئيس الدولة و أضعف إنسان فيها، فعن أبي فراس  قال: خطبنا عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلي أقصه منه ،فقال عمرو بن العاص : لو أن رجلا أدب بعض رعيته أتقصه منه ؟ فقال : إي والذي نفسي بيده أقصه  وقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أقص من نفسه(41)،والأمثلة على هذا في تاريخ الإسلام كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال حديث المرأة المخزومية الشهير (42)،و حكم عمر على جبلة ابن الأيهم  الذي لطم رجلا من فزاره وأمر عمر بالقصاص منه (43)، و فعل عمر مع عمرو ابن العاص والي مصر و ابنه الذي ضرب ابن الق! بطي (44)،و بمثل هذه الأحكام و ميزاتها يكون القضاء على ظلم الحكام والمسؤولين .

   ولا نجد مثل هذه المساواة في القوانين العقابية الحديثة بل إن تمييز بعض المسؤولين أصبح أمرا مقننا تحت ما يسمى بالحصانة، سواء كانت ديبلوماسية أو برلمانية، ومن شأن هذه الحصانة أن تدفع إلى الإجرام لأن المتمتع بها لا يخشى ما يخشاه سائر الناس من خوف من العقاب، وهذا ما لاحظناه  بالنسبة لبعض المتمتعين بالحصانة، فهذا يخرج مسدسه لأتفه سبب ويهدد بالقتل، وذاك أطلق النار على من كان له معه خلاف، وذلك أنقذته من المحاكمة بفرنسا حصانة ديبلوماسية .وكل ما ارتكبه هؤلاء ما كان ليحدث لو كانت هناك مساواة بين كل الناس .

   ج- يمتاز العقاب في الإسلام بكونه يحقق الردع، ويجبر خاطر المجني عليه أو وليه، وهذان العنصران ضروريان جدا في العقاب، فأما الردع ويقصد به أن العقوبة عندما توقع على مجرم معين تصرفه عن العودة إلى هذه الجريمة، وهذا هو الردع الخاص، كما تصرف غيره عن فعل مثلها، و هذا هو الردع العام، و كل عقوبة لا تحقق الردع بنوعيه فهي لغو ضررها أكبر من نفعها، و العرب في الجاهلية كانوا يراعون هذا الهدف، فعندما كانوا يقتلون القاتل يقولون : (القتل أنفى للقتل) – فقت! له يمنع الثأر وما ينجر عنه، و يمنع باقي الناس من القتل، و الذي يتأمل في العقوبات الشرعية  يلاحظ بوضوح هذه الخاصية، فالذي يسرق مثلا و تقطع يده، فإن مظهر يده المقطوعة أكبر رادع بحيث تذكره هو و تذكر غيره بعقاب السرقة فيتحاشونها، و نفس الشيء يقال عن عقوبة الزنا، و يفهم الردع جيدا في قوله تعالى: (و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وأما القانون الوضعي فلا يتوفر على هذه الخاصية و دليل ذلك كثرة العود في ارتكاب الجريمة الواحدة نظرا لتفاهة العقوبة، وأما الجبر فيقصد به عمل شيء ما، يرضي الأولياء، ويواسيهم جراء ما وقع عليهم، وله أهمية أوسع وأبلغ من أهمية الردع، ذلك أن الردع قد يمنع المجرم من العود، كما يمنع بعض الناس من الجريمة، أما الجبر فإنه إذا لم يراع فإنه يؤدي بالتأكيد إلى وقوع جرائم أخرى من قبل أولياء المجني عليه أو خصومهم، فهناك غريزة فطرية في الإنسان وهي غريزة الانتقام فلا بد من إخ! راجها وإفراغها من نفوس الأولياء بشكل منظم وتحت إشراف الدولة، فإن لم نف عل وقع أحد أمرين، فإما أن تخرج بشكل غير منظم بعيدا عن القانون، وقد يكون إخراجها فظيعا، بعيدا عن العدل، ويمكن أن تنجر عنها جرائم جديدة، وإما ألا تخرج وتبقى حبيسة في الباطن تحرق القلب وتعذبه باستمرار، وقد تؤدي إلى اضطرابات نفسية .

   والمتأمل في العقوبات التي جاء بها الإسلام يلاحظ لأول وهلة فعاليتها في مكافحة الجريمة، بسبب تحقيقها للردع والزجر والجبر، فالقصاص الذي يطبق في الجرائم العمدية سواء كانت قتلا أو جرحا أو ضربا يمنع الجاني بلا شك من العود كما يمنع غيره من أن يسلك سبيله، فالذي يسعى لقتل غيره يعلم أنه يسعى أيضا إلى قتل نفسه، ولا نجد شخصا سويا يسعى لقتل نفسه أو قطع بعض أطرافه، وهذه العقوبة التي يفعل فيها بالجاني المتعمد مثل ما فعل ما لم يكون تعذيبا من أعدل العقوبات، وأكثرها تحقيقا للردع والزجر والجبر أيضا، وفي هذا يقول الأستاذ عبد القادر عودة : وليس في العالم كله قديمه وحديثه عقوبة تفضل عقوبة القصاص فهي أعدل العقوبات إذ لا يجازى المجرم إلا بمثل فعله، وهي أفضل العقوبات للأمن والنظام لأن المجرم حينما يعلم أنه سيجزى بمثل فعله لا يرتكب الجريمة غالبا والذي يدفع المجرم بصفة عامة إلى القتل والجرح هو تنازع البقاء، وحب التغلب والاستعلاء، فإذا علم المجرم! أنه لن يبقى بعد فريسته أبقى على نفسه بإبقائه على فريسته (45)

   وإلى جانب عقوبة القصاص التي تطبق في الجرائم العمدية التي يمكن فيها المماثلة ولم يكن فيها عفو من جانب الأولياء نجد العقاب بالجلد على الجرائم الحدية كما هو الحال في القذف والزنى لغير المحصن والسكر، وهذه العقوبة تنطوي على فوائد متعددة فهي تحقق الردع والزجر كونها تطبق أمام الناس، كما أنها لا تفوت على الجاني المعاقب القيام بمصالحه ومصالح أسرته بخلاف عقوبة السجن المطبقة اليوم التي توفر للجاني فرصة أفضل للتكوين الإجرامي بمخالطته لمجرمين آخرين داخل السجن، إضافة إلى الإهمال الذي يصيب الأسرة ويؤدي بأولاده في غيابه إلى سلوك سبيله، ومن أجل هذه السلبية التي تتصف بها عقوبة السجن تعالت الأصوات في المؤتمرات الدولية تنادي بإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وضرورة إيجاد بدائل لها، ومن ذلك المؤتمر السادس لعلم الإجرام الذي انعقد عام 1980 في كرا كاس بفنزويلا الذي نوقشت فيه عيوب العقوبات السالبة للحرية، وأجمعت الآراء على جعل هذه العقوبة استثنا! ء وعدم التوسع فيها (46). وكما يتحقق الزجر بالعقوبات البدنية التي ذكرنا بعضها لأننا لم نتحدث عن القطع والرجم والتعزير، يتحقق أيضا مع الجبر حين العقاب بالدية في الجرائم التي تعذر فيها تطبيق القصاص سواء في الجرائم الواقعة على النفس أو على الأطراف، وحتى حق العفو الذي منحه الإسلام للمعني بالضرر شخصيا ولم يمنحه للحكام كما هو حال القوانين اليوم يحقق الردع والجبر، فالمجني عليه عندما يشعر أن أمر الجاني متعلق بمشيئته في العقاب أو العفو تستكن نفسه وتطيب، فإذا عفا وهو أعلم بمن يستحق العفو، فإن عفوه يشكل في الحقيقة عقوبة نفسية للجاني الذي عفا عنه على نحو قول المتنبي :

      وما قتل الأحرار كالعفو عنهم      ومن لك بالحر الذي يحفظ اليد

وهذا العفو مقصور على الجرائم التي تمس حق الفرد أو أن حقه فيها هو الغالب أما التي تمس حق المجتمع فلا عفو فيها، ومن الملاحظ اليوم أن عفو الحاكم  عن المجرمين في المناسبات والأعياد أصبح من أسباب انتشار الجريمة، يدل على ذلك موجة الإجرام التي نلاحظها بعد كل إفراج عن المحكوم عليهم .

 2- الكفــارة: الكفارة عقوبة أيضا، ولكنها تختلف عما سبق من عقوبات وهي تتعلق بجرائم القتل لا غير، وتختص بالصيام أو العتق، ووجه اختلافها عما تقدم ذكره من عقوبات أن تنفيذها ذاتي موكول إلى الجاني نفسه فلا القاضي ولا الحاكم يمكنه أن يلزمه بها، ولذلك فهي مرتبطة بإيمان الجاني ليستدرك ما فاته بارتكابه للجريمة، وهذه الكفارة من شأنها أن تمحو الإثم الذي اقترفه، ومشروعيتها فيها ربط واضح للفرد بالإيمان بالله واليوم الآخر وتذكير بذلك بعد النسيان أو الإهمال الذي أصابه أثناء ارتكاب الجريمة  .

 ثانيا : قلة تكاليف وسلبيات التشريع القرآني

    وقلة هذه التكاليف تدرك جيدا عندما نقارنها بما يقابلها اليوم في التشريعات الحديثة سواء على المستوى العالمي أو الدولي أو حتى المحلي، فعلى المستوى العالمي أنشئت اليوم مؤسسات دولية هدفها مكافحة الجريمة على غرار الشرطة الدولية، ومحاكم الإجرام الدولية، ناهيك عن المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك للغرض ذاته، ولا يمكن تصور ما تحتاج إليه هذه الإجراءات من نفقات، ومقابل ذلك  لا يشعر العالم بأدنى تحسن في مجال مكافحة الجريمة، بل لعل بعض الاقتراحات التي ما فتئ يقدمها بعض المختصين في الإجرام قد ساهمت إلى حد ما في استفحال الظاهرة الإجرامية، ثم إن الكثير من المبادئ لم يحصل بشأنها اتفاق، مثل تعريف الجريمة، والإرهاب وغيرها .

   وأما على المستوى الدولي ولنأخذ الجزائر على سبيل المثال لنلاحظ تكاليف مكافحة الجريمة، فماذا نجد ؟ إننا نجد وزارتين على الأقل في خدمة مكافحة الجريمة هما وزارتا السجون والعدل، بالإضافة إلى الهياكل الإدارية التابعة لكل واحدة منهما في مختلف الولايات كالمحاكم والسجون وما فيهما من موظفين ومساجين، ففي سجن يتسع ل650 سجينا نجد 250 من الموظفين أي ما يعادل موظف واحد لكل سجينين أو ثلاثة، وإذا قرأنا الرقم بشكل آخر فنقول بأن هذا السجن يضم في الحقيقة 900 فرد، وإذا حسبنا نفقات صيانة السجن وحاجيات المقيمين فيه من مساجين وحراس، بالإضافة إلى نفقات المحاكم والوزارات وحتى الشعب المختصة بالتشريع نجد أرقاما خيالية، وبتعبير آخر فإن تكاليف مكافحة الجريمة من وقت التشريع إلى وقت التنفيذ مرورا بمرحلة القضاء لا تتناسب بتاتا مع نتائج المكافحة ففي ولاية عنابة على سبيل المثال سجلت مصالح الأمن ارتكاب أكثر من 2500 جريمة خلال ثلاثة أشهر(47)، وهي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2003،  وهذا الرقم يعني أن هناك أكثر من 27 جريمة ترتكب في اليوم، وهذا في فصل الشتاء الذي عادة ما تقل فيه الجرائم .

   وأما السلبيات التي تخلفها عملية المكافحة فهي ترتبط بصفة أساسية بعقوبة السجن التي لا يكاد يعرفها الإسلام وهي التي تطبق اليوم على نطاق واسع على الرغم من أن بعض العلماء في مؤتمر كاراكاس  عام 1980 قد نادوا بعدم التوسع فيها، واقترح بعضهم عقوبات بديلة مثل الجلد، وسلبيات هذه العقوبة اليوم نلخصها في النقاط التالية :

  1-أن السجن في حد ذاته لا يشكل عقوبة رادعة، لأن منشأن العقوبة الرادعة الألم، وأن تنفذ أمام الناس لكن هل يسبب السجن اليوم ألما؟ لقد قال يوسف عليه السلام- ( رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)(48)،وقالت امرأة العزيز لزوجها: ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن! يسجن أو عذاب أليم)(49)مما يدل على أن السجن شيء والألم شيء آخر، في سجون كانت تفتقر بكثير إلى ما هو متوفر فيها اليوم، بل يمكن الجزم أن بعض السجون تتوفر على مرافق لا تتوفر في البيت أو البيئة التي يحيا فيها المجرم، مما يجعل السجن يغوي بالإجرام لا مانعا منه، فقد جاء في التقرير الذي تقدمت به هيئة سجن مصر إلى مؤتمر جنيف عام 1955 ما نصه: " حتى جاءت الثورة المصرية عام 1952، وانقلبت الجمهورية المصرية بأسرها إلى مجموعة من النهضات المتباينة في مختلف الشؤون، نالت السجون المصرية حظا وفيرا منها، إذ تحسن الغذاء والكساء، وأنشئت الكانتينات، وأبيح التدخين، وأدخلت إذاعات الراديو، وعرض الأفلام السينمائية، والألعاب الرياضية، والتمثيل، وسهلت الزيارات، والمراسلات، وأنشئت المكتبات، وألغيت المراقبة الإدارية، وكذلك السابقة الأولى1، ونتيجة هذه الإصلاحات أوجزها كمال دسوقي حين نقل عن صحف الصحاح الصادرة بتاريخ 18/! 09/1957 قصة السجين الذي تعمد لدى خروجه خنق أول طفل يصادفه وتسليم نفسه ليعود إلى السجن2 . وأما في الجزائر فكثيرا ما يلقى القبض مساء على من أطلق سراحه في الصباح، وكم من متشرد ارتكب جريمة وليس له من غرض إلا الحصول على مأوى .

2 – أن عقوبة السجن تفوت على من عوقب بهاالكثير من المصالح، فإذا كان عاملا فقد عمله، وإذا كان طالبا فاتته دراسته، وإذا كان تاجرا كسدت تجارته، ناهيك عن الآثار المتعلقة بأولاده وأسرته، ويفقد العقاب صفة التفريد التي نادى بها علماء الإجرام، فيحرم الأولاد من عاطفة الأبوة وتفقد الزوجة أهم حقوقها الزوجية، وعندما يخرج من السجن يجد أسرته قد شردت وأولاده قد سلكوا سبيله .

3 – إن الواقع اليوم يجعل السجن يساهم في الفسادأكثر من الإصلاح، بل يمكن أن يؤدي دور مدرسة في تعليم فنيات الإجرام بسبب الجمع فيه بين فئات مختلفة من المجرمين، وكل واحد يمكن أن يتعلم من غيره، فالسارق البسيط قد يتحول إلى لص محترف، والذي انكشف أثناء ارتكاب الجريمة أو بعدها، يتعلم كيف يخفي آثار إجرامه، هذا بالإضافة إلى أن الحجز في السجن لمدة طويلة يجعل السجين يخرج وهو متخلف حضوريا عن واقع المجتمع، ويكون تأقلمه بعد ذلك صعبا، كما قد يفوت عليه السجن  مصالح كثيرة، فيخرج فيجد نفسه في حالة يأس، ولا يجد وسيلة للحاق بالمجتمع والتعويض عما أصابه إلا بسلوك سبيل الجريمة خصوصا وأن المتابعة الإصلاحية منعدمة بعد الخروج  من السجن، ومن جهة ثالثة فإن السجين عندما يخرج من السجن يجد دون الاندماج في الناس سورا عاليا من التحفظ والاحتياط، فكل الناس يحذرونه! وكلهم يحتاطون من التعامل معه، ولن يجد من يطمئن إليه إلا من كان سجينا مثله أو من كان يريد أن يتعلم منه صنعة الإجرام وفي كل الأحوال يؤدي به ذلك إلى سلوك طريق الجريمة .

   إن التشريع القرآني قد تفادى جميع هذه السلبيات وغيرها ممن لم نذكره في هذا المقام، والعقوبات التي نص عليها لا تفوت على المعاقب بها حقا ولا واجبا، فإذا عوقب بالجلد أو بالقصاص فيمكنه على إثرها مباشرة أن يلتحق بعمله وبأسرته دونما حاجة إلى بناء يضمه وحرس يقومون على خدمته، وفوق هذا كله فهو عقاب رادع زاجر جابر مكفر عن الإثم الناتج عن الجرم . وهذه الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم على سهولتها وبساطتها وقلة تكاليفها قد حققت من النتائج في وقت وجيز ما لم يحققه غيرها بإمكانيات ضخمة في وقت طويل مما يدل على إعجاز القرآن التشريعي في مكافحة الجريمة .

الحواشي:

(1)  انظر كتابنا الوجيز في القانون الجنائي العام – دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع – عين مليلة  ص05 وما بعدها .

(2)  آل عمران : 103

(3) –  القاضي فريد الزغبي –الموسوعة الجزائية –دار صادر بيروت –الطبعة الثالثة 1995    ج1 ص40

(4)  يوسف : 26

(5)  آل عمران : 103

(6)  ابن هشام  مختصر سيرة ابن هشام – دار النفائس – بيروت  الطبعة الثانية  1979 ص 60

(7)  الرعد : 11 .

(8) القرضاوي يوسف – الإيمان و الحياة – دار الشهاب، باتنة – الجزائر الطبعة  ؟1987 ص 25 .

 (9) ابن الجوزي أبو الفرج – تاريخ عمر بن الخطاب – الزهراء للنشر والتوزيع – الجزائر –الطبعة الأولى 1990 ص77 .78

 (10)  المائدة : 34

(11)  ابن قيم الجوزية –الطرق الحكمية في السياسة الشرعية  - المؤسسة العربية للطباعة و النشر، القاهرة  1961 ص 66 –67 .

(12)  النساء : 43 .

(13)  البقرة –183

(14) البخاري –صحيح البخاري –دار إحياء التراث العربي، الطبعة ؟، كتاب الصيام  ج 3 ص 34

 (15)  البخاري – المرجع السابق – كتاب الحدود باب السارق حين يسرق

(16)  التحريم : 6

(3)  رواه أبو داوود في كتاب الأدب، باب في فضل من عال يتيما من حديث أبي سعيد الخذري

(17)  رواه أبو داوود في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .

(18)  فاطر : 18

(19)  النووي – شرح صحيح مسلم – كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات – باب القسامة

(20)  صحيح مسلم – كتاب القسامة

(21) ورد الحديث في صحيح الجامع الصغير يلفظ الغلة بالضمان خرجه السيوطي عن عائشة وهو حسن رقم4179

(22)  البقرة : 285

(23)  أبو زهرة محمد– العقوبة – دار الفكر العربي - ص 560 561

(24)  أبو زهرة محمد – المرجع السابق – ص26

(25)  ابن تيميه – الحسبة ومسؤولية الحكومات الإسلامية – الطريق للنشر والتوزيع، الجزائر العاصمة ص 1

(26)  التوبة : 71

(27) رواه مسلم – كتاب الإيمان – باب كون النهي عن المنكر من الإيمان

 (28)  آل عمران : 104

(29)  ابن تيميه – المرجع السابق – ص20

(30)  الأنعام : 108

(31)  البخاري – المرجع السابق – كتاب الأدب باب لا يسب الجل والديه

(32)  البخاري – المرجع السابق – كتاب الفتن باب من حمل علينا السلاح فليس منا .

(33)  البرهاني محمد هاشم – سد الذرائع في الشريعة الإسلامية – مطبعة الريحاني، بيروت، الطبعة الأولى 1985 ص 485 .

(34) مسلم – كتاب الإمارة – باب إذا بويع لخليفتين

(35)  ابن الجوزي – المرجع السابق – ص 83

(36)  القرطبي – الجامع لأحكام القرآن -  تفسير الآية 93 من سورة المائدة ج6 ص 273 ،والآية 2 من النور

(36)  جرمي بنتام  -أصول الشرائع – ترجمة فتحي زغلول  ج 1 ص 21

(37)  البقرة : 76

 (38)  أبو المعاطي حافظ أبو الفتوح – النظام العقابي الإسلامي – مؤسسة دار التعاون  للطبع و النشر 1976 ص 410-411

(39)  أبوداوود – صحيح سنن المصطفى – كتاب الديات باب القصاص من النفس

(40)  مسلم  كتاب الحدود – باب قطع السارق الشريف و غيره ج 5 ص 114

(41)  الأندلسي – ابن عبد ربه – العقد الفريد – دار الكتاب العربي – بيروت –لبنان –ج 2 ص 56 حتى 62

(42)  ابن الجوزي أبو فرج –تاريخ عمر بن الخطاب –الزهراء للنشر و التوزيع –الطبعة الأولى ص 93- 94   

(43)  عودة عبد القادر – التشريع الجنائي الإسلامي – مؤسسة الرسالة - الطبعة السادسة 1985 ج 1 ص 447 .

(44)  منصور رحماني – الوجيز في القانون الجنائي العام -  دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع – الجزائر ص 59 .

(45)  جريدة الخبر عدد يوم 22 ماي 2003  رقم 3785  ص05 تحت عنوان معدل الإجرام في تزايد مستمر بعنابة .

(46) - (47)  - يوسف : 33 ،25

(48)-  دسوقي كمال –علم النفس العقابي - ص 161

(49)-  دسوقي- المرجع السابق- ص315

1 -  دسوقي كمال –علم النفس العقابي   - ص 161

2-  دسوقي- المرجع نفسه- ص31

قائمـة المراجع  :

1-ابن هشام  مختصر سيرة ابن هشام – دار النفائس – بيروت  الطبعة الثانية  1979      

2--القرضاوي يوسف – الإيمان و الحياة – دار الشهاب، باتنة – الجزائر الطبعة  ؟1987

3- ابن الجوزي أبو الفرج – تاريخ عمر بن الخطاب – الزهراء للنشر والتوزيع – الجزائر –الطبعة الأولى1990

4 - ابن قيم الجوزية –الطرق الحكمية في السياسة الشرعية  - المؤسسة العربية للطباعة و النشر، القاهرة  1961  .

5- البخاري –صحيح البخاري –دار إحياء التراث العربي، الطبعة ؟، كتاب الصيام

6- النووي – شرح صحيح مسلم – كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات – باب القسامة

7 - أبو زهرة محمد – العقوبة – دار الفكر العربي – ص26

8- بن تيميه – الحسبة ومسؤولية الحكومات الإسلامية – الطريق للنشر والتوزيع، الجزائر العاصمة

9 - البرهاني محمد هاشم – سد الذرائع في الشريعة الإسلامية – مطبعة الريحاني، بيروت، الطبعة الأولى

10- جرمي بنتام  -أصول الشرائع – ترجمة فتحي زغلول 

11 -  أبو المعاطي حافظ أبو الفتوح – النظام العقابي الإسلامي – مؤسسة دار التعاون  للطبع و النشر 1976

12 - أبوداوود – صحيح سنن المصطفى – كتاب الديات باب القصاص من النفس

13 - مسلم  كتاب الحدود – باب قطع السارق الشريف و غيره

 14 الأندلسي – ابن عبد ربه – العقد الفريد – دار الكتاب العربي – بيروت –لبنان

15 - عودة عبد القادر – التشريع الجنائي الإسلامي – مؤسسة الرسالة - الطبعة السادسة 1985

16 -  منصور رحماني – الوجيز في القانون الجنائي العام -  دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع – الجزائر .

17- ابن قتيبة – الشعر والشعراء – دار إحياء العلوم  – بيروت الطبعة الثانية 1986

18 – القرطبي – الجامع لأحكام القرآن

19 -  القاضي فريد الزغبي –الموسوعة الجزائية –دار صادر بيروت –الطبعة الثالثة 1995

السابق....
 
 
دليل الأبحاث العلمية حول القرآن الكريم